راتب شعبو/ كاتب

“الانفجار السوري”، هموم كُردية في الثورة السورية

نشرت بتاريخ 22/04/2017 على موقع جيرون
ظل الشرخ القومي العربي الكُردي عنصر تفتيت في الصراع التحرري في سوريا. عجزت الصراعات السياسية عن رأب هذا الشرخ الذي أثقل بشدة على “الوطنية السورية” حين نهض الكُرد السوريون في ربيع 2004 لنيل الاعتراف بحقوق قومية لهم، ولم يجدوا التضامن المأمول من العرب السوريين.
حتى اليوم، لم تقم
“الوحدة الوطنية” السورية على تآلف عادل يكفله الدستور وسلطة الدولة، بما يجعل الغلبة للعنصر الوطني على العناصر الفارقة، دون أن يتسبب في قهر أو تبخيس هويات الجماعات المختلفة، في الوقت نفسه. هذا الإنجاز لم يتحقق في سوريا، ولا يبدو أن السوريين يسيرون باتجاه تحقيقه.
في كتابه “الانفجار السوري”، يحاول الكاتب الصديق عبد الباقي صالح اليوسف، القيادي في المجلس الوطني الكُردي، تفسير سبب اشتغال الشرخ القومي ضد القضية السورية، في “الانفجار” الذي بدأ في ربيع 2011. يشير الكاتب، من موقعه كسياسي يشهد عملية اتخاذ القرار، إلى المواقف التي قوضت جسور الثقة مع الكُرد السوريين داخل جسم الهيئات التي انبرت لتمثيل الرفض السوري لنظام الأسد، الشيء الذي عزز، في المحصلة، موقف حزب الاتحاد الديموقرطي القائم على فكرة النضال الكُردي المستقل.
“كان يمكن أن يستمر الشارع الكُردي بزخم كبير في الانتفاضة وأن يشكل ضغطاً على النظام (…) لولا مواقف المعارضة السورية (…) التي لم تقدم مفاهيم ومشاريع جديدة لسوريا المستقبل، وتهربت من الخوض في القضايا الجدية وثابرت على تسويفها إلى ما بعد إسقاط النظام”. ويستعرض الكاتب الكثير من المواقف (يسميها الكاتب “حالات غدر”) التي أدت إلى ضرب الثقة لدى الكُرد. منها اضطرار تيار المستقبل الكُردي الانسحاب من “مؤتمر الإنقاذ الوطني السوري” في 16 تموز 2011، بسبب تخلي هيثم المالح عن اتفاقه مع مشعل تمو “بأن تكون هوية سوريا المستقبل شاملة وجامعة لكل مكوناتها، وأن لا تقتصر على مكون واحد”. ومنها تخلي “المجلس الوطني السوري” عن الاتفاق مع الجانب الكُردي الذي يتضمن “الاعتراف بالتعددية القومية والسياسية واللغوية، وحل القضية القومية للشعب الكُردي حلاً ديموقراطياً عادلاً في إطار وحدة البلاد، بالاعتراف الدستوري بوجوده القومي كمكون رئيسي وتأمين ما يترتب على ذلك من حقوق قومية”. ومنها أيضاً “تخلي الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية عن الوثيقة التي اتفق عليها مع المجلس الوطني الكُردي في تشرين الثاني 2013، قبل أن يجف حبرها”. وتشبه هذه الوثيقة في مضمونها اتفاق الجانب الكُردي مع المجلس الوطني السوري الذي ذكرناه للتو. والذريعة الدائمة للتراجع هي تأجيل كل شيء إلى ما بعد إسقاط النظام.
رغم الحذر التاريخي للأحزاب الكُردية من التدخل في الشأن الوطني السوري، اجتمع عدد من الأحزاب الكُردية في ايار 2011، وأسست إطاراً سياسياً وأصدرت المبادرة الكُردية لحل الأزمة في سوريا، التي تضمنت مطالب سورية عامة: “تجنب اللجوء إلى استخدام العنف والقتل تحت أي ذريعة كانت، والسماح للاحتجاجات السلمية بالتعبير عن نفسها، وتطبيق المرسوم الرئاسي القاضي برفع حالة الطوارئ والأحكام العرفية، وإلغاء المحاكم والقوانين الاستثنائية كافة، والإفراج عن جميع معتقلي الرأي والسجناء السياسيين”، إضافة إلى المطالب الكُردية، ولكن دون تحديد لشكل الحل “الكُردي” الذي يقترحونه، والاكتفاء بالكلام عن “حل ديموقراطي عادل”.
في 26 تشرين الثاني 2011، تأسس المجلس الوطني الكُردي وزاد من انخراطه في الشأن السوري العام، فرأى أن الحل في سوريا يمر من خلال: “تغيير النظام الاستبدادي الشمولي ببنيته التنظيمية والسياسية والفكرية وتفكيك الدولة الأمنية وبناء دولة علمانية ديموقراطية تعددية برلمانية، وعلى اساس اللامركزية السياسية”. غير أن البيئة السياسية المحيطة بالشأن الكُردي السوري لم تكن مناسبة لنمو مثل هذا الجسم السياسي. لم يكن الطرف العربي المعارض الذي حاول المجلس الوطني الكُردي العمل معه متحمساً للمطالب الكُردية، ولم يكن الجمهور الكُردي متحمساً للمجلس الذي وجد نفسه تحت جناح السلطة التركية التي كانت اراضيها منطلقاً للهجوم على مدينة رأس العين 2014، ثم على مدينة كوباني 2015، فضلاً عن موقع السلطة التركية كعدو في الوعي الكُردي السوري. كما أن إقليم كُردستان العراق لم يكن قادراً على دعم المجلس الوطني الكُردي إلا في حدود الأجندة التركية، ولهذا كانت المؤترات والنشاطات التي عقدت في أربيل (هولير) نشاطات “كرنفالية بدون نتائج عملية”.
على ما سبق، وعلى مساحة انعدام الثقة المتراكم بين الكُرد والعرب، وفي المساحة الممتدة بين النزوع الفيدرالي الكُردي، والرفض العربي القائم على استبطان نزعة انفصالية كُردية، ازدهر حزب الاتحاد الديموقراطي (بيوايدي) مدعوماً من قوى لها مصلحة في تعزيز الشرخ العربي الكُردي، منها النظام الأسدي نفسه.
يرى الكاتب أنه لا بد من “تسوية استراتيجية” أو “تسوية تاريخية” تقدم عليها المعارضة تقوم على اللامركزية السياسية أو “تفكيك الدولة المركزية ذات النظام الديكتاتوري إلى أقاليم وحكومات فيدرالية”. ويسترشد بالنموذج السويسري المتعدد القوميات واللغات.
ليست علة النظام الأسدي في الدولة المركزية بل في نمط إنتاج السلطة داخل هذه الدولة، وليست الفيدرالية معادلاً ضرورياً للعدل في توزيع السلطة، أو لحماية المكونات القومية الأصغر. لم تعمل الفيدرالية الروسية على حماية الشيشان مثلاً.
مما يستوقف قارئ هذا الكتاب الغني والجريء، أن الكاتب، يضع الفروقات الطائفية على مستوى الفروقات القومية، ويطالب “بعقد وطني” يضمن لجميع المكونات “استقلاليتها الثقافية والقومية والطائفية واللغوية، بحيث تتطابق هذه الإدارات مع الحدود الجغرافية لتلك المجتمعات المحلية”. هل هناك حقاً “حدود جغرافية” لهذه المكونات؟ إن خشية أقلية طائفية من الانتقام مثلاً، لا تقارن بحقوق قومية مهضومة، ولا يجوز معالجة الحالتين “بالفيدرالية” وكأنهما من النوع نفسه.
التداخل البشري في سوريا يجعل من الحل الفيدرالي القائم على أساس جغرافي منطلقاً لصراعات جديدة، لأن هذا الحل سوف يعيد خلق أقليات قومية محكومة لأكثرية قومية في الإقليم المحدد. قد يكون المخرج بنوع من الفيدرالية القائمة على السكان وليس على الجغرافيا. الأمر يحتاج، في كل حال، إلى ابتكار سوري، يأخذ في الحسبان التداخل البشري، ولا يربط آلياً بين مركزية الدولة واستبداديتها.
على أن الديموقراطية التوافقية التي يقترحها الكتاب، يمكن أن تكون حلاً لتحرر الأقلية القومية من دائرة استبداد الأغلبية التي سوف تكتسح أي استفتاء يدور حول حقوق الأقلية. واللافت أن “المجلس الوطني الكُردي” يقترح طرح الدستور المطلوب لحماية حقوق الكُرد القومية على الاستفتاء الشعبي.
Archives
July 2017
M T W T F S S
« Jun    
 12
3456789
10111213141516
17181920212223
24252627282930
31