راتب شعبو/ كاتب

تجاور الأزمنة في سوريا

نشرت بتاريخ 27/04/2013 في جريدة النهار اللبنانية
تمثل الساحة السورية اليوم محلاً نموذجياً لانعدام اليقين. ساحة صراع زلقة لا يستقر عليها شيء، كل شيء قابل للسقوط هنا بما في ذلك الأفكار والنظريات والمبادئ والقيم التيلا يصمد منها إلا ما هو ساقط أصلاً. لا الحوار حوار ولا الحرب حرب. الحوار مصيدة وشطارة، والحرب محرقة وطاحونة عديمة المعنى. لا الحوار يهدف إلى الحوار ونقل التوازنات الجديدة إلى مستوى سياسي، ولا الحرب تلتزم بأبسط أخلاقيات الحروب. صراع عسكري بين طرفين ينتمي كل منهما إلى زمن مغاير لزمن الشعب السوري ومتخلف عنه: قوة ديكتاتورية مكرسة تجاوزها الزمن تسعى إلى الديمومة عبر لغتها الوحيدة المتمثلة في التطويع القسري للشعب الذي تجرأ على الرفض، متوسلة في ذلك ما لا يخطر على بال من سبل وحشية. وقوى إسلامية محدودة الأفق، هيمن لونها على الحراك تحت إلحاح الحاجة العسكرية للثورة، بعد أن ضمر البعد السياسي لصالح البعد العسكري فيها. ولا تحمل هذه القوى للشعب سوى المحاكم الشرعية والفتاوى التي تكبل حياة المرء بكل تفاصيلها وتسعى إلى حشر الحاضر في قوالب الماضي. لا يمثل أي من طرفي الصراع العسكري الرئيسيين هذين خياراً مرغوباً لشعب يريد أن يحيا بحرية وكرامة.
الى جانب هذا التجاور المتنافر بين زمن الشعب السوري الذي هو ببساطة العيش في نظام حكم ديموقراطي يشعر فيه الفرد أنه مواطن كامل الحقوق في وطنه قانونياً وفعلياً، وزمن ديكتاتوري وآخر إسلامي، ثمة تجاور مكاني للأزمنة على ساحة سورية:
في سوريا اليوم مناطق “مستقرة” تعيش زمن “ما بعد الأسد”، تحكمها، على ما نقرأ، سلطات غضة لمجالس محلية ومحاكم شرعية وأمراء. سلطات تحمل كل ما تحمله السلطات من مفاسد سوى أنها قد تكون أقل وطأة بحكم حداثة عهدها وضعف تمكّنها لا أكثر، ذلك أنه لا يوجد تصور واضح لآلية حكم محددة قادرة على ضبط شطط الحاكمين، وارتجاليات الأمراء والمفتين، والصراعات المحلية بين مختلف الأطراف المسلحة ..الخ. لا الوضع العام ولا الحوادث الفردية هنا تشير إلى وجود حالة سياسية جاذبة للسوريين في المناطق الأخرى. فاليوم تعيش الثورة السورية اختبار الحكم في مناطق واسعة، ولاسيما في محافظة الرقة، في رهان مقصود من النظام، على ما يبدو، لإعطاء المعارضة السورية الوقت الكافي للفشل. لم تعش الثورة  المصرية مثلاً هذا التجاور الزمني فكانت أزمنتها متتالية بحكم السقوط السريع للديكتاتور ثمة، لكن الفشل الأخواني في مصر أعاد لمبارك شيئاً من الاعتبار في عيون المصريين، وهو داخل أسوار سجنه. أما تجاور الأزمنة في سوريا فإنه يشكل من هذه الزاوية عنصراً في مصلحة النظام.
وفي سوريا أيضاً مناطق “مستقرة” لا تزال في زمن الاستبداد الأسدي، تعيش على سابق عهدها من فساد واستفشار وتعديات زادت، بعد انكفاء طفيف في بداية الثورة، بدلاً من أن تنقص. مناطق تخشى عدوى المعارك المدمرة وما تحمله من ويلات. لا يستقر أبناء هذه المناطق على يقين، يساندون القوات النظامية خوفاً من تحول مناطقهم إلى مناطق منكوبة، ولكنهم في الوقت نفسه يتعاملون مع الدولة كرجل مريض يتسابقون لنهبه والاستفادة من تركاته. وبالمقابل يتكرس في هذه المناطق ما يمكن أن نسميه الاقتصاد التعسفي للحرب، حيث لا ضمانة لملكية عامة أو خاصة. مثلما لا ضمانة لحق الحياة نفسه. حالة متبادلة من تجاوز الحدود بين الأفراد والمؤسسات ولاسيما منها مؤسسات “الدفاع” الطارئة. الأمر الذي أوجد حالة من إعادة توزيع للثروة تقوم على التعدي بالقوة وعلى النهب المباشر. ورغم أن هذه المناطق لا تزال بمنأى عن المعارك فإنها تعيش في الواقع منكفئة على ذاتها في حالة قلقة وغير مستقرة، وكأنها تمرر أيامها يوماً بيوم، بانتظار مجهول ما.
أما باقي المناطق فإنها تعيش الصراع على شكل معارك يسميها كل طرف من جهته “تحريرية” ويسوغ كل طرف انتهاكاته فيها بانتهاكات الطرف الآخر، ما يجعل من الأبرياء، الذين لا يعبر عنهم في الحقيقة أي من الطرفين المتقاتلين، أول وأسهل الضحايا.
إنه خليط أزمنة يصعب أن تتناغم، خليط أفضى إليه استبداد لم يُعل يوماً على مبدأ سلطته مبدأً آخر، ولم يكن له طوال تاريخه بوصلة سوى التوطيد لسلطته لتأبيدها على حساب أي قيمة أو مبدأ آخر يعيق مسعاه.

 

Archives
November 2017
M T W T F S S
« Oct    
 12345
6789101112
13141516171819
20212223242526
27282930