هل يمكن وجود معارضة سورية صحيحة؟ | Rateb Shabo/ Writer
راتب شعبو/ كاتب

هل يمكن وجود معارضة سورية صحيحة؟

نُشرت بتاريخ 23/03/2018 على موقع العربي الجديد
لا جدال في أن ما جرى ويجري في الغوطة الشرقية، كما في عفرين، من حصار وقتل وتهجير ونهب و”احتلال” وإهانة لكرامات الناس وكسر لنفوسهم وتحقير لقيمهم، هو نموذج فاجر من سيادة منطق القوة على أي منطق آخر. كل الكلام عن الوحشية والإجرام يبقى قليلاً أمام هول ما نرى وما نسمع، كما كان كل الكلام قليلاً إزاء الوحشيات والجرائم السابقة التي لم
تخل منها منطقتنا في أي وقت. ولكن كل الكلام يبقى أيضاً قليل الفائدة، كما بقي كل الكلام المكرور والمعاد قليل الفائدة دائماً، أمام وحشية وإجرام إسرائيل وتوسعها، كمثال بارز ودال.
السياسة الدولية أغرقت وقتلت السياسة المحلية السورية التي غدت تفصيلاً بلا قيمة في ماكينة القتل والتهجير الشريرة التي تلتهم حاضر البلاد ومستقبلها. بات يبدو بلا معنى الكلام عن صحة أو خطأ سياسة طرف سوري، لأنه لم يعد من معنى لسياسة سورية بعد أن غدت كل الأطراف السورية مواطئ لأقدام خارجية.
في هذه الشروط التي وصلت إليها سوريا، كانت تركيا ستدخل عفرين، حين تريد ويتاح لها التوافق الدولي، حتى لو كانت قوات حماية الشعب الكردية ملائكة مصنوعين من الخير والصواب المحض، لمجرد كونهم أكراداً مسلحين. الشيء نفسه ينطبق على الغوطة اليوم. لا يمكن القول الآن إن خطأ في سياسة هذا الطرف السوري أو ذاك، هو ما أدى به إلى مصير أسود. المصائر السود مرتسمة في الأفق السوري منذ أن استقرت فئة حاكمة (الطغمة الأسدية التي تكاملت عناصرها من خلال وعقب المواجهة مع الأخوان المسلمين في النصف الأول من ثمانينات القرن الماضي) على احتلال البلاد من خلال احتلال جهاز الدولة ثم الانضواء في النظام الدولي ليس وفق مبدأ مصلحة البلاد التي يحكمونها، بل وفق مبدأ “تأبيد” الحكم.
بعد استقرار الحكم الأسدي لم يعد من الممكن وجود سياسة معارضة صحيحة، لأن كل معارضة سوف تتلقى الرد الإلغائي نفسه، مهما كان لونها، ومهما كانت سياستها. لم توجد فرصة لأي معارضة سورية (غير مسلحة) لكي تختبر صحة طرحها السياسي. يكفي أن يجري تشخيص أي منشور على أنه “معارض” حتى يجد أصحابه أنفسهم في “المصير الأسود”، لذلك لا معنى للكلام عن صحة أو خطأ سياسة سورية معارضة قبل ثورة 2011.
الديناميت الشعبي الذي حرص نظام الأسد على قطع كل طرق الصواعق المعارضة من الوصول إليه، انفجر ذاتياً في 2011. وطالما أن السياسة الوحيدة التي يعرفها نظام الأسد تجاه معارضيه هي الإلغاء، فإنه بدأ بممارسة السياسة نفسها التي كان يمارسها ضد “الصواعق المعارضة” من قبل، ولكن هذا الحال الطارئ لا تنفع معه السجون وصنوف العزل الأخرى، بل يستدعي، إلى ذلك، الجيش والرصاص الحي والأسلحة الثقيلة والتدخلات الخارجية..الخ.
“خلصت” و”سورية بخير” و”ما في شي” و”صغيرة يا كبير” ..الخ، كانت بمثابة البسملة على ما سوف يليها من قتل ودمار، لأن الإلغاء هي السياسة الوحيدة التي يعرفها نظام أراد تطويب البلد إلى الأبد. إلغاء أحزاب معارضة بالسجن والقتل والإفقار، تحول بعد ثورة 2011، مع تهيئة الشروط، إلى إلغاء اعتصامات ومظاهرات برصاص حي، ثم إلغاء بلدات ومدن بالحصار ثم بالدمار ثم بالتهجير والسعي إلى “المجتمع المتجانس″، أي المجتمع الموالي قناعة أو خضوعاً. المبدأ واحد، ويتوهم من يعتقد أن هناك إمكانية لوجود مبدأ آخر، لأن أي مبدأ آخر يعني نظاماً آخر.
بعد تحول سورية إلى ساحة حرب دولية، تولت السياسات الدولية بفرض المبدأ نفسه الذي كان يتولاه نظام الأسد، إلغاء قيمة المعارضة السياسية. الذي اختلف اليوم، هو وجود تعددية سياسية/عسكرية بقدر تعدد الدول المتورطة في الحرب في سورية. لكن رغم هذا التعدد فإن السياسة السورية، أقصد سياسة الأطراف السورية، تبقى تابعة، أي ملغاة.
هل كان يمكن تفادي هذا المآل؟ يبدو لنا أن هذا المآل كان حتمياً في جوهره، أقصد تدمير البلاد وانتزاع الفاعلية من يد السوريين، وكان البديل الوحيد عنه، على ضوء استعداد النظام لحرق البلد، الإجهاز على الحراك الشعبي الواسع وإغراق سوريا في الصمت، بدورة شبيهة لما جرى في سوريا بعد شباط 1982. مع ذلك يبقى من المفيد ملاحظة نقطة مفصلية في التحول إلى هذا الحال بعد ثورة آذار 2011.
***
إذا تجاوزنا كلام الغضب والتعاطف والإدانات إلى كلام “بارد” يسعى إلى إدراك “البينة التحتية” لهول ما نحن فيه، سوف نجد أن المشترك فيما جرى ويجري في الغوطة الشرقية وفي عفرين، وما سبق أن جرى شبيهاً له في غير منطقة من سوريا، ولاسيما في حلب في نهاية العام 2016، هو تجاور المعاناة الفظيعة لقطاع من الشعب السوري مع الحياة الطبيعية (بقدر ما تسمح الظروف بحياة طبيعية) لبقية السوريين الذين لم يبدوا، في كل حال، تضامناً ملموساً مع أولئك السوريين الواقعين تحت أسوأ مصير يمكن تخيله، بما يشمل طردهم من بيوتهم ومناطقهم الأصلية.
هذا الواقع الذي تكرر مراراً في غضون السنوات السورية الماضية هو نموذج لتحلل ثورة وتحولها إلى تمرد. حين تفقد الثورة روح التغيير العمومية وروح التضامن التي توحد جمهورها، تتحول إلى تمرد مآله الفشل حتى لو انتصر، لأنه إذا انتصر فإنه ينتصر على المستبدين وليس على الاستبداد. وكانت تلك هي الأولولية التي اشتغل النظام السوري (والعالمي) عليها: قتل روح الثورة، عبر قتل فكرة التغيير العميقة، وعبر قتل الروح المشتركة، روح التضامن الفعلي في الشعب السوري الثائر، هذا التضامن الذي كان يتردد صوته في أرجاء سورية “نحنا معاكي للموت” موجهة إلى المنطقة التي تتعرض لعنف أشد.
تحقق لنظام الأسد ذلك عبر ممارسة عنف مفرط (رصاص حي على المظاهرات ومواكب التشييع) دفع السوريين إلى تبدية صد العدوان و”الدفاع عن النفس″ على التمسك بالفكرة، لأن القدرة الأكبر على صد العدوان كانت في يد من لا يؤمن بفكرة الثورة أصلاً (إسلاميون سوريون وداعمون إسلاميون إقليميون)، فضلاً عن أن التحول العسكري، بحد ذاته، مهد السبيل، وسط التعقيدات السورية المعروفة، إلى التحول المذكور من الثورة إلى التمرد: عزل الشعب عن الفاعلية ثم بناء سلطات محلية تتسلط على الشعب في مناطق سيطرة “المتمردين”. (ولكن هل كان يمكن تفادي ذلك؟!)
بعد أن أجبر السوريون، لأسباب مفهومة أيضاً، على التساهل في قبول قوى لا تؤمن بفكرة الثورة، بمحاججة تراجعية أو تسويغية تقول إن هذا مجرد تأجيل للفكرة وليس تخل عنها (ليسقط النظام أولاً ثم نرى)، انتقل الصراع إلى المرحلة التي دشنت احتضار الثورة ثم موتها، هي مرحلة صراع قوى عسكرية “نظامية” ليس في أي منها ظل لفكرة الثورة. هذا هو متن التحول من الثورة إلى التمرد.
رغم الضغط العسكري الكبير الذي واجهه النظام واضطره إلى الاستجارة بإيران ثم بقوة عظمى، إلا أن النظام صار، رغم ذلك، في موقع أفضل سياسياً وأخلاقياً مما كان عليه أثناء مواجهة الثورة السورية في عامها الأول. بعد ذلك لم يعد النظام يواجه ثورة شعب، بل تمرداً على شكل مناطق خرجت عن سيطرة “الشرعية” (الحق أن شرعية هذه الأنظمة تأتي من الخارج الذي لم يسحب الشرعية من النظام السوري بعد كل شيء) لصالح قوى لها طبيعة وسياسة تسمح للنظام بتجريدها من أي قيمة ثورية أمام العالم المؤثِّر (الغرب) وأمام المجتمع السوري، ما أدى إلى عزلها سياسياً وأخلاقياً. طبيعة القوى المسيطرة في الغوطة سهلت للنظام مهمة عزلها واقتحامها لا شك، ولكن لو كانت هذه القوى من طبيعة مختلفة لما اختلف الأمر كثيراً، كما هو الحال في السيطرة التركية على عفرين.
في غضون هذا التحول “غير الثوري” كانت الثورة السورية تلجأ مجدداً إلى أحلام وآمال السوريين الخارجين من الفعل، قتلاً أو سجناً أو هجرة أو خوفاً أو يأساً، وكانت سوريا تتحول إلى ساحة حرب قذرة خالية من المعنى الثوري أو التحرري. حرب قذرة تجري بها مقايضات بين الدول على حساب أرض سوريا وشعبها، كبرهان متكرر على مقولة الكواكبي التاريخية: “إن أصل الداء الاستبداد السياسي”.
Archives
August 2018
M T W T F S S
« Jun    
 12345
6789101112
13141516171819
20212223242526
2728293031