راتب شعبو/ كاتب

عن النظام السوري ومسايريه الديموقراطيين

نُشرت بتاريخ 30/06/2017 على موقع العربي الجديد
سيحاول هذا المقال مناقشة منطق النخبة الديموقراطية العلمانية، أو غير الإسلامية، التي تقول بأولولية مواجهة “الفاشية الإسلامية”، بما يسوّغ خطة النظام السوري خلال السنوات الماضية. على أننا نقول سلفاً إن هذا المنطق هو الوجه الآخر
للمنطق “الديموقراطي” الثاني الذي يقول بأولوية “إسقاط النظام”، وإن أياً من المنطقين لا يفضل الآخر بشيء، فهما التعبير المرضي لعلة “يسارية” مزمنة أسميها القزامة أو التابعية.
لمناقشة المنطق المذكور، ينبغي تفادي الدخول في طريق الجدل الموحل والعقيم بشأن طبيعة الحراك السوري: هل هو إسلامي منذ البدء أم تحول إلى الإسلامية؟ وهل هو مسلح منذ البدء أم تحول إلى العسكرة؟ هل هو نتاج مؤامرة، أم أنه حراك شعبي أصيل؟ هل هو حراك يريد الحرية والكرامة أم يريد هدم البلاد والجيش؟ هل يتحرك بدافع سياسي أم طائفي؟ هل هو ثورة أم فورة؟ ..الخ. يمكننا تفادي ذلك بأن نناقش هذا المنطق من داخله، وبحسب قناعاته ومرجعياته نفسها.
يؤسس هذا المنطق لنفسه بالقول إن الحراك السوري كان يحمل صبغة إسلامية طائفية منذ البداية، وإن العنف كان حاضراً منذ البداية أيضاً، ويصل بالتالي إلى إن هذا النوع من الحراك لا علاقة له بالحرية ولا بالربيع ولا يمكن وصفه بالثورة. ويضيف أصحاب هذا التحليل، إن تركيا ساهمت في تغذية الحراك لغايات ومطامع استعمارية، ويستغربون كيف لدول عربية تحكم بطريقة عشائرية ولا تعرف معنى الدستور، أن تساند حركة ديموقراطية!
الحق إنه يمكن تقصي حقائق كثيرة ومبكرة تدعم المقدمات التي يقوم عليها التحليل، كما من الطبيعي والمفهوم أن تسعى أي دولة إلى استغلال الحوادث والاحتجاجات وكل ما هو ممكن في الدول الأخرى، لتعزيز ثقلها الإقليمي أو للضغط على أنظمة حكم أو حتى لقلب أنظمة حكم بما يخدم سياسات ومطامع تلك الدولة. هذه المقدمات تدفع، بحسب هذا المنطق، إلى الريبة والشك في الحراك والتخوف منه ومن مآلاته.
مع ذلك، يبقى هناك حقائق أخرى تستوجب من أصحاب هذا المنطق التوقف عندها، من باب الحرص على الدولة وعلى الوطن وعلى الشعب السوري، بحسب منطوقهم نفسه. أول هذه الحقائق، إن الاحتجاج الذي بدأ محدوداً، امتد ليشمل مناطق عديدة من البلد، وراح يستقطب أعداداً متزايدة من السوريين. وأن المظاهرات استمرت رغم سقوط الضحايا بالرصاص المباشر وبأرقام غير قليلة (أكان هذا الرصاص من جهات تابعة للنظام أم تابعة لجهات أخرى لا يهم هنا، المهم أن الناس استمرت بالتظاهر رغم سقوط قتلى بين المتظاهرين). هذا يعني أن هناك إرادة واسعة وتصميم عميق لدى قطاع متزايد من السوريين بتغيير النظام.
من زاوية نظر النظام القائم على شرعية القوة وليس على قوة الشرعية (وهذا ما لا ينكره أصحاب المنطق الذي نناقشه)، فإن مثل هذا الحراك يعني شيئاً واحداً، هو تهديد نظام الحكم، وعليه فإن الرد الأساسي أمام تمادي الحراك وتوسعه هو القمع، وما تبقى من سبل و”سياسات” غرضها فقط تسويغ القمع أو تفتيت الشارع. هذا مفهوم من موقع النظام الحاكم، لأن التغيير السياسي سوف يقود، إن حصل، إلى سحب امتيازات هائلة تتمتع بها طغمة الحكم، ويمكن أن يقود أيضاً إلى محاكمات ومحاسبة ..الخ.
أما من موقع المعارض الديموقراطي العلماني فمن الطبيعي أن تختلف مقاربة الحراك. هنا ينبغي أن يدخل في الحسبان مصلحة البلد بدلاً من مصلحة النظام، ومصلحة الشعب بدلاً من مصلحة الطغمة. هنا تجد أسئلة أخرى طريقها إلى الواجهة: كيف يمكن تفادي تحول إرادة التغيير الملموسة هذه إلى طاقة تدميرية؟ كيف يمكن تفادي طغيان البعد الطائفي فيها؟ كيف يمكن استثمارها لفرض واقع سياسي أقدر على استيعاب تطلعات قطاع أوسع من السوريين؟ وكيف يمكن تفويت المؤامرة وعدم الوقوع في حبائلها إذا كان ثمة مؤامرة؟ الطبيعي أن المعارض الديموقراطي لا تقيده مصلحة خاصة تمنعه من رؤية مصلحة البلد والشعب فوق كل شيء.
أي إن التخوف الذي يمكن يعتري المعارض الديموقراطي من حراك يحمل ملامح إسلامية وبوادر عنف وطائفية، ينبغي أن يختلف جوهرياً عن تخوف النظام الحاكم من هذا الحراك. الأول يفترض أن خوفه نابع من حرص على الوطن، والثاني من حرص على النظام. بين أولولية النظام وأولوية الوطن يجب أن يكمن الفارق بين مقاربة المعارض الديموقراطي والنظام.
القوة المتزايدة كانت وسيلة النظام الأهم في الدفاع عن نفسه، وهذا الخيار الذي أملته مصلحة النظام وأسبقيتها على ما يخدم الوطن والشعب، أدخلت سوريا في مسار العنف الذي دمر البلد وفتت المجتمع. لا يمكن تفسير الدخول في هذا النفق إلا من موقع نظام يدافع عن استمراره فوق كل شيء، ويعبر عن هذا صراحة بعبارة “الأسد أو لا أحد”. لكن من غير المفهوم أن يدافع معارض ديموقراطي عن هذا المسار، دون أن يترك للسوريين مجالا للتمييز بينه وبين مروجي سياسات النظام المأزوم. الغريب أن هذا الديموقراطي يمضي بعيداً في التحاقه بهذا الخيار الذي قاد إلى استباحة الوطن، وتزايد الإسلاميين.
تزداد الغرابة حين يقع هذا المعارض الديموقراطي نفسه ضحية قمع النظام. هنا نشهد إيثاراً سياسياً كاريكاتوريا، حيث يدافع المعارض الديموقراطي عن نظام يضطهده. وبالمناسبة، يكرر العلماني المساير للإسلاميين هذا المشهد الإيثاري الكاريكاتوري حين يقول إنه مع “النصرة” ضد النظام، حتى لو قتلته.
التسويغ الدائم الذي لا يمتلك النظام السوري سواه، هو أنه يواجه سلفيين وإرهابيين ومؤامرة ..الخ. ويشتري المعارض الديموقراطي المساير للنظام هذا التسويغ. ترى لو افترضنا أن هذه الحركة غير سلفية وغير إرهابية وغير إسلامية ..الخ، هل كان المعارض الديموقراطي المساير للنظام، ليصدق أن النظام سيستقبلها بالترحاب، وسيقبل أن يغير ذاته؟ وهل تساءل هذا المعارض لماذا تعرض هو نفسه للاعتقال لسنوات طويلة وللموت تحت التعذيب، دون أن يكون إسلامياً أو إرهابياً؟ وكيف يتصور، بعد الخلاص من الفاشية الإسلامية، أن يتم تغيير النظام السياسي؟ وعلى يد من؟
لكي يهرب المعارض الديموقراطي من هذا الموقف الذي يجد نفسه فيه (معارض مروج لنظام لا يقيم له وزناً)، فإنه يسهب في ذكر حقائق مكرورة، مثل تخلف دول الخليج التي تدعم المعارضة، أو مطامع تركيا ..الخ، لكنه يأبى أن يفكر في تقديم اقتراحه الخاص في التعامل مع الغليان السوري منذ البداية. هذا الديموقراطي السوري لا يمتلك اقتراحاً خاصاً يميزه، إنه فقط يهاجم جهة، ويلتحق بجهة.
Archives
October 2017
M T W T F S S
« Sep    
 1
2345678
9101112131415
16171819202122
23242526272829
3031