راتب شعبو/ كاتب

الهزيمة المؤسِّسة للهزائم

نشرت بتاريخ 04/06/2017 على موقع العربي الجديد
رغم مرور نصف قرن على هزيمة حزيران 1967، عشنا خلاله هزائم متواصلة لا تقل عمقاً وإهانة، يبقى لهزيمة حزيران أثرها الأكثر إيلاماً، ليس لأنها انتهت بخسارة أرض عربية تعادل ضعف مساحة الدولة المنتصرة حينها، فهي من هذه الزاوية ليست
أكثر إيلاماً من هزيمة 1948، بل لأنها هزمت الأنظمة العربية “التقديمة” التي كانت تقوم على مشروع الاستعادة الجذرية للحقوق العربية، وقد يتضمن ذلك إزالة إسرائيل.
كان يمكن للشعوب العربية أن تنسب هزيمة ال48 لفساد في الأنظمة الملكية البالية والخائنة (مصر، العراق، الأردن)، ولحداثة عهد وتخلف جيش “الدول الوطنية” الخارجة حديثاً من مرحلة الاستعمار المباشر (سوريا، لبنان). كان لا يزال في خلفية التصور الشعبي العربي احتياطي نفسي مُستمد من أن هزيمة ال48 هي هزيمة أنظمة متخلفة، وأن في اليد رصيد لم يُستثمر بعد، وأن العرب لم يقولوا كلمتهم الأخيرة، ذلك أن في الجيوش العربية وفي المجتمع العربي قوى حية كانت مغيبة، وهي تغذي الأمل بنهضة ورد اعتبار بعد النكبة. وبالفعل لم تتأخر هذه القوى المأمولة في الانقلاب على “أنظمة النكبة” في أهم بلدين مجاورين لإسرائيل (في سوريا 1949، وفي مصر 1952). قاد الانقلابين ضباط شاركوا في حرب 1948 الخاسرة، وبدا كأن الأنظمة العربية المهزومة تلك كانت تنتظر سقوطاً يحررها من ثقل هزيمتها الباهظ. كانت تلك أنظمة فقدت شرعيتها الشعبية بفعل فشلها الوطني، وتوفرت “القوى الحية” القادرة على إزاحتها باسم رد الاعتبار الوطني. لماذا لم يتكرر هذا المسار الطبيعي والمألوف، في هزيمة ال67؟
في سوريا، هذا البلد القلق الذي يتطلع دائماً إلى تجاوز ذاته، صارت الدولة، بعد هزيمة 1948، محلاً لانقلابات عسكرية متوالية بعد أن صار الجيش محلاً للتحزبات والصراعات السياسية والتآمر والتخطيط للانقلابات. وكان أفضل ما في هذه الانقلابات أنها فشلت جميعاً في التأسيس لنفسها، وراح الانقلاب يسقط الانقلاب، ما أفضى إلى “السنوات الديموقراطية” (1954-1958) التي قالت إن سوريا كانت أكثر قلقاً من أن تستقر على انقلاب أو على ديموقراطية. لم تفرز مرحلة ما بعد الاستعمار في سوريا زعيماً سورياً على الطريقة المصرية، ولذلك بقيت الأحزاب السياسية وصراعاتها سمة من سمات تاريخ سورية المعاصر. أما في مصر، فقد نجح الضباط الأحرار في الاستمرار في الحكم، ساهم في ذلك استقرار الكيان المصري (اكتفاؤه بذاته) واستقرار النفسية السياسية المصرية جراء هذا، فضلاً عن توفر صفات شخصية مميزة لزعيم الانقلاب هناك. تمكن الانقلابيون المصريون مع الوقت من تطوير نظرتهم وسياساتهم، ومن تحقيق إنجاز كبير في تأميم قناة السويس والصمود في وجه العدوان الثلاثي 1956، كان حاسماً في ذلك الموقفان الأمريكي والسوفييتي حينها. وبذلك لم يرسخ الضباط الأحرار، وعبد الناصر بالتحديد، سلطتهم في مصر فقط، بل باتوا تجسيداً للأمل العربي في النهوض، وفاضت زعامة عبد الناصر عن حدود مصر ليغدو زعيماً و”حبيباً” للعرب.
ترتمي سوريا الديموقراطية في أحضان الزعيم المصري بعد عامين من مأثرة السويس، ثم تسترد ذاتها منه بعد ثلاثة أعوام، ومن كبر زعامته أنه لم يحاول قسرها على البقاء. ظلت مصر “متحدة” مع نفسها بعد أن غادرتها شريكتها الوحدوية التي يحدث فيها كل شيء تحت شعار وحدوي بما في ذلك الانفصال (انفصال أيلول 1961). ثم يحدث في 1963، انقلاب “وحدوي” على الانفصال “الوحدوي”، وتبقى الوحدة دائماً هي المعبود المنبوذ. ثم في 1966 ينقلب انقلاب على الانقلاب، انقلاب ذو ضجيج قومي تحرري يساري حتى حدود الماركسية، وشديد الاستخفاف بإسرائيل حتى حدود اللامعقول. ولا يخرج عن السياق القولُ إن تلك الطفولة البعثية النزقة كانت تستند نفسياً إلى وجود مصر عبد الناصر، بعد كل شيء.
يأتي عمق هزيمة ال67 من أنها هزيمة لحقت بأنظمة “تحررية” كانت تعتبر نفسها، ويصدقها الجمهور، أنها الرد السياسي والوطني على “أنظمة النكبة”. على هذا فإن هزيمة ال67 أتت على الاحتياطي النفسي العربي ووضعت العرب أمام حقيقة شديدة الإيلام هي حقيقة العجز تجاه إسرائيل. تلك هي السمة التي جعلتها هزيمة مؤسسة للهزائم التالية التي كان أقربها أحداث 1970 – 1971 في الأردن، التي انتهت بسحق وطرد منظمات المقاومة الفلسطينية من الأردن. يصح القول إنه لولا مركب العجز الذي أرسته هزيمة ال67 لما مرر العالم العربي ذبح الفلسطينيين في الأردن بهذه البساطة.
الحق أن حزيران 1967 أعاد هيكلة العالم العربي سياسياً ونفسياً حول فكرة قبول اسرائيل. كان هذا ما ترسم في قمة الخرطوم بعيد الهزيمة، القمة التي يعتبرها جورج قرم، رغم لاءاتها الثلاث، هزيمة سياسية لا تقل عن هزيمة حزيران نفسها. ثم تكفل “أيلول الأسود” في الأردن أن يخمد التطلع البعيد للمقاومة الفلسطينية، الأمل الشعبي المتبقي. حتى ياسر عرفات “الواقعي” عبر عن يقينه قبل أيلول الأسود، في أن “الفسلطينيين سينتصرون في الآردن لأن غالبية ضباط الجيش الأردني من الفلسطينيين ولن يوجهوا سلاحهم إلى صدور أخوتهم”، ولكن لم ينتقل في الواقع إلى صفوف الفلسطينيين حينها سوى عدد ضئيل من ضباط وجنود الجيش الاردني، ونطمئن إلى القول إن هزيمة ال67 كانت في أساس هذا التخلي العربي عن الفلسطينيين، التخلي الذي لم يكن يتصوره عرفات، والذي جعله يقول في وقت مبكر للغاية (حزيران/يونيو 1971)، طالباً عدم نشر قوله حينها: “أقول بصراحة إننا عاجزون عن إزالة إسرائيل”، كما ينقل عنه يفغيني بريماكوف في كتابه “الشرق الأوسط، المعلوم والمخفي”.
لم يكن الاستقرار الاسطوري الذي شمل الوطن العربي بعد تلك الهزيمة، سوى استقرار لواقع القناعة السياسية والنفسية، التي أرستها تلك الهزيمة، بالعجز أمام اسرائيل. الواقع الذي شكّل نفسه عبر مجموعة من النقلات التكيفية ليس فقط مع الوجود الاسرائيلي، بل ومع القبول الضمني بالسيطرة الاسرائيلية.
كما شكلت هزيمة ال67 إطار وأساس هزيمة الفلسطينيين في الأردن، شكلت كذلك أساس التكيف المصري الذي بدأ بالقبول بالقرار 242 ومشروع روجرز وانتهى بزيارة السادات إلى القدس، وأساس التحول اليميني السوري في نوفمبر/تشرين الثاتي 1970 واستمراره بالتوريث وصولاً إلى الخراب السوري الحالي.
Archives
October 2017
M T W T F S S
« Sep    
 1
2345678
9101112131415
16171819202122
23242526272829
3031